أَي قل لهم أيها النبي منبها إلى رحمة الله بعباده، وفضله عليهم: لو وجد في الأرض ملائكة يسكنونها ويمشون فيها كما تمشي البشر ولا يعرجون في السماء ليعلموا ما يجب عليهم علمه، لبعث إِليهم ملكا منهم وعلى شاكلتهم، ليتفقهوا عنه ويعلموا منه ما لا تستقل قدرتهم بعلمه, حيث يتسنى لهم مخاطبته ومكالمته؛ لأن الجنس إلى الجنس أَميل، وبه آنس, أَما سكان الأرض من البشر، فهم بمعزل عن إمكان التلقى عن الملائكة، فبعث الملَك إليهم مناف للحكمة المقتضية لوجوب التجانس بين الرسول ومن يرسل إليهم، أما إرسال الملَك بوحى إلى الرسل من البشر كمحمد وعيسى وموسى عليهم السلام. فلأن الله أعطاهم من القوى الروحية العليا ما يجعلهم أهلا لتلقي الوحي عن الملك حيث جعل لهم جهتين؛ جهة ملكية بها من الملك يستفيضون، وجهة بشرية: بها على البشر يفيضون, وجعل كل البشر كذلك مخل بالحكمة.
وكان الملك يظهر للرسول على وجه يسهل معه التلقي عنه، كما ظهر جبريل عليه السلام للرسول في صورة دحية الكلبي، وقد صح أن أعرابيا جاء وعليه أَثر السفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وغيرهما، فأجابه عليه الصلاة والسلام بما أَجابه ثم انصرف ولم يعرفه أحد من الصحابة رضي الله
عنهم. فقال صلى الله عليه وسلم هذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم, والحديث في البخاري والنسائي وغيرهما.
96 - {قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} :
يروى أَن كفار قريش حين سمعوا قوله سبحانه: {هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} قالوا: فمن يشهد لك أَنك رسول الله؟ فنزل قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ... } الآية.
والمعنى قل كفى باللهِ شهيدا على أني رسول أديت واجب الرسالة إليكم على أكمل وجه، وعلى أنكم بالغتم في التكذيب والعناد، فهو شاهد لي وعليكم، عالم بما كان مني ومنكم.