وهو الأصل الذي عليه الاعتماد في صحة التوحيد , لأنه لو كان إله آخر لبطل الخلق بالتمانع بوجودهما دون أفعالهما.
باب البيان عن الوجوه التي ذكرنا في أول الكتاب
وهي: ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة , والتحدي للكافة. والصرفة , والبلاغة , والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة , ونقض العادة , وقياسه بكل معجزة.
أما توفر الدواعي فيوجب الفعل مع الإمكان لا محالة , في واحد كان أو جماعة. والدليل على ذلك أن إنسانا لو توفرت دواعيه إلى شرب ماء بحضرته من جهة عطشه واستحسانه لشربه. وكل داع يدعو إلى مثله , وهو مع ذلك ممكن له فلا يجوز ألا تقع شربه من حتى يموت عطشا لتوفر الدواعي على ما بينا , فإن لم يشربه مع توفر الدواعي له دل ذلك على عجزه عنه. فذلك توفر الدواعي إلى معارضة على القرآن لما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز عنها.
وأما التحدي للكافة فهو أظهر في أنهم لا يجوز أن يتركوا المعارضة مع توفر الدواعي إلا للعجز عنها.
وأما الصرفة فهي صرف الهمم عن المعارضة , وعلى ذلك كان يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة؛ وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة , وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر منها للعقول.
وأما الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة فإنه لما كان لا يجوز أن تقع على الاتفاق دل على أنها من عند علام الغيوب , فمن ذلك قوله عز وجل: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} [سورة الأنفال] فكان الأمر كما وعد من الظفر بإحدى الطائفتين: العير التي كان فيها أبو سفيان , أو الجيش الذين خرجوا يحملونها من قريش , فأظفرهم الله عز وجل بقريش يوم بدر على ما تقدم به الوعد. ومنه قوله تعالى: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} [سورة الروم] .
ومنه: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [سورة التوبة]
ومنه: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين , ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم} [سورة البقرة] .
ومنه: {فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين , فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} [سورة البقرة] .
ومنه: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [سورة القمر] .
ومنه: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن