لا يخفى ما في اقتراح هذه الآيات من الجهل الكبير بسنة الله في خلقه ، وبحكمته وجلاله . وبيان ذلك - كما في كتاب"لسان الصدق"- أن ما اقترحته قريش فيها (منه) ما أرادوا به مصلحتهم دون مصلحة العباد مما يخالف حكمة الله تعالى المقتضية لإخلاء بعض البقاع من العيون النابعة والأنهار الجارية والجنان الناضرة دون بعض . وإرساء الجبال الشم في موضع دون آخر ؛ لمصالح يعلمها هو جلت عظمته ، ولا يعلمها الخلق . فليس مقترحهم هذا من العجز في شيء . مع أن مثله لا تثبت به النبوة . فإننا نعلم أن أناساً قد استنبطوا العيون وغرسوا الجنان من النخيل والأعناب ونحتوا الجبال ولم يكونوا بذلك أنبياء . (ومنه) ما يناقض إرادة الله سبحانه وهو قولهم: {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} فإن إنزال السماء قطعاً مقتض لهلاك العالم بحذافيره . والله يريد إبقاءه إلى أجل معلوم . (ومنه) ما هو مستحيل في نفسه غير ممكن وقوعه أصلاً وهو قولهم: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً} فإن الإتيان بالله والملائكة حتى يشاهدهم المشركون أو غيرهم مما لا يمكن أن يكون . فلا يجوز طلبه ، وليس من أنواع المعجز . (ومنه) ما لا يصلح للأنبياء ، ولو حصل لم يكن معجزاً وهو قولهم: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} فإن هذا غير صالح للأنبياء . وليس بمعجز ، لحصول مثله عند أشباه فرعون . (ومنه) ما وعدوا بعدم إيمانهم به لو حصل ، وأردفوه بما لا يجوز وهو قولهم: {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} فيه - على ما ذكر في الرواية - من الله العظيم إلى فلان وفلان وفلان ، لقوم من قريش بأسمائهم . أما بعد: فإن محمداً رسولي فآمنوا به . والصعود في السماء لا مرية فيه ، لأنهم قالوا: {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} فلو كان ، لكان عبثاً .