وأيضاً لو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شيء قبلها ، أو بعدها لم يصح وصفها بذلك ، لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا بأن يأتي من يريد بيانها بمثل ما يأتي به من أراد بيان الألغاز ، والتعمية ، وليس ذلك من الفصاحة ، والبلاغة فِي ورد ، ولا صدر بل من عكسهما ، وضد رسمهما ، وإذا عرفت هذا ، فاعلم أن من تكلم فِي بيان معاني هذه الحروف جازماً بأن ذلك هو ما أراده الله عزّ وجل ، فقد غلط أقبح الغلط ، وركب فِي فهمه ودعواه أعظم الشطط ، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعاً إلى لغة العرب ، وعلومها فهو كذب بحت ، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك ، وإذا سمعه السامع منهم كان معدوداً عنده من الرَّطَانة ، ولا ينافي ذلك أنهم قد يقتصرون على أحرف ، أو حروف من الكلمة التي يريدون النطق بها ، فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن تقدمه ما يدل عليه ، ويفيد معناه ، بحيث لا يلتبس على سامعه كمثل ما تقدم ذكره.
ومن هذا القبيل ما يقع منهم من الترخيم ، وأين هذه الفواتح الواقعة فِي أوائل السور من هذا ؟ وإذا تقرر لك أنه لا يمكن استفادة ما ادّعوه من لغة العرب ، وعلومها لم يبق حينئذ إلا أحد أمرين:
الأوّل التفسير بمحض الرأي الذي ورد النهي عنه ، والوعيد عليه ، وأهل العلم أحق الناس بتجنبه ، والصدّ عنه ، والتنكُّب عن طريقه ، وهم أتقى لله سبحانه من أن يجعلوا كتاب الله سبحانه ملعبةً لهم يتلاعبون به ، ويضعون حماقات أنظارهم ، وخُزَعْبَلات أفكارهم عليه.