لأجل التقرير عَلَى استنباطهم كما زعمه بل تعجبا من جهلهم وكمال حمقهم حيث فسروها
مع كون الْقُرْآن عربيا بمعانٍ لم تستعمل فيها عند العرب والْقَوْل بأن أبا العالية لم يستدل
بتبسمه المفيد للتقرير بل بما بعد التبسم من تلاوته عَلَيْهِ السَّلَامُ إياها عَلَى الترتيب
الْمَخْصُوص وتقريرهم عَلَى استنباطهم ضعيف إما أولًا فلأن التقرير منه عَلَيْهِ السَّلَامُ من
الأدلة والتبسم من أمارات التقرير ما لم يصرف صارف فالظَّاهر أنه استدل بذلك فأبطله
المص لما ذكره بناء عَلَى أنهم فسروها بما لَيسَ في لغة العرب وخلاصة جوابه أنه لما لم
يستعمل عند العرب في هذه الْمَعَاني فلا يكون تبسمه عليه السَّلام للتقرير ممن أراد البحث
بتكلم عليه لا عَلَى ذلك، وأما تلاوته عَلَى الترتيب الْمَذْكُور فلزيادة الاطلاع بحالهم لعلهم
يتفطنون للمعنى الْمُرَاد منها أو يسألون عمن يعرف معناها ولما لم يقع التفطن أو الاستفسار
تبسم تعجبا من حالهم ومن فرط جهلهم بلغة العرب أو جهلهم بأمر الدين حيث جعلوا لما
هو دائم إلَى يوم الدين مددا وليت شعري كَيْفَ يتوهم تقريرهم منه عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى
ذلك الوهم الكاذب وهذا قرينة عَلَى أن تبسمه للاستغراب من حالهم وشدة شكيمتهم
فَكَيْفَ يقال إنه فكما جاز كون التبسم لما ذكر جاز أيضًا كونه تعجبا من اطلاعهم عَلَى
الْمَعْنَى الْمُرَاد فإنه لا يخلو من سوء الإبهام عَلَى أنه خارج عن قانون المناظرة فإنا من وراء
المنع والجواز لا يقابل الجواز بل الواجب عَلَى المستدل إثبات الممنوع فاضمحل الإشكال
بأسره وأعجب منه ما قيل والظَّاهر أنه صلى الله تَعَالَى عليه وسلم فعل ذلك مجازاة
معهم ليلزمهم بما يعرفونه فتأمل انتهى. فإن إلزامهم بما يعرفونه من مدة دينه إحدى وسبعين
سنة أو مائة وإحدى وستون سنة أو غير ذلك مع أنه غير مطابق للواقع فاسد في نفسه مما
لا يخطر بالبال فضلًا عن البيان بالمقال.
قوله: (لكنه يحوج إلَى إضمار أشياء لا دليل عليها) وهو فعل القسم وفاعله وحرف
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
على أنه قصد به التَّنْبيه عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُور بل أخذ تسليم ذلك الْمَعْنَى من تبسه وعدم إنكاره له أهون
وأيسر من أخذ معنى التَّنْبيه من كلام ابن عبَّاس لما ذكرنا من أن صريح كلامه عَلَى البتّ والقطع.
قوله: لكنه يحوج إلَى إضمار أشياء وهي فعل القسم وفاعل ذلك الْفعْل وبالباء القسمية. أقول: يرد
عليه أن الْمُفَسّرينَ قد ارتضوا كونها مقسمًا بها عند جعلها أسماء الله أو الْقُرْآن أو السور ولم يسضعفوا
مع أن فيه ارْتكَابًا إلَى تقدير عدة أشياء وهو رحمه الله أَيْضًا ورده فيما بعد ولم يعده ضعيفا ولو قيل
ارتضاؤهم في ذلك لشرف معانيها الْمُنَاسب للقسم. قلنا شرف الْمَعْنَى موجود في هذه الحروف الوحدان
أَيْضًا من حيث إليها منبع أسماء الله ومباني خطابه عَلَى أنه لم يجعل سبب الاستنكار فقد الشرف بل