لذلك تفرّد الحق سبحانه بفريضة الصوم ، وجعلها خالصة له سبحانه ، لا يتقرب بها أحد لأحد ، وهل رأيت إنساناً يتقرّب لآخر بصوم؟ فانظر إلى هذه السُّبْحانية وهذا التنزيه في ذاته سبحانه ، فلا يجرؤ أحد أنْ يتسمى باسمه.
وفي العبادة لا يُصَام لأحد غيره تعالى ، فلو تصوَّرنا أن يقول واحد للآخر: أنا سأتقرّب إليك بصوم هذا اليوم أو هذا الشهر ، إذن: أنت تريد منه أن يجلس بجوارك يحرسك ويراعي صومك ، فكأنك تريد له العنت والمشقة من حيث تريد أنت أنْ تتقرّب إليه.
لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي:"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
يعني من الممكن أن يتقرب بأيِّ ركن من أركان الإسلام لغيري ، إلا الصوم ، فلا يجرؤ أحد أنْ يتطوّع به أو يتقرب به لأحد.
إذن: فالسُّبحانية هي الدليل السائد الشامل الجامع لكل الخَلْق ؛ لذلك نقول للكافر: أيها الكافر لقد تأبَّيْتَ على الإيمان بالله ، وللعاصي: لقد تأبيتَ على أوامر الله ، وما دُمْتُم قد تأبيتم على الله ، وألفتم هذا التأبِّي وهذا التمرد ، فلماذا لا تتأبون على المرض إنْ أصابكم ، وعلى الموت إنْ طرق بابكم؟
لماذا لا تتمرد على ملك الموت وتقول له: لن أموت اليوم؟! إنها قاهرية الحق سبحانه وتعالى حتى على الكافر ، فلا يستطيع أحد أن يخرج عليها أو يتمرد.
وكذلك العاصي حينما ينحرف عن الجادّة ، وتمتد يده إلى مال غيره بالسرقة أو الاختلاس أو التعدِّي على المال العام ، فإن الحق سبحانه يفتح عليه أبواباً للإنفاق تبتلع ما جمع من الحرام ، وربما أخذت في طريقها الحلال أيضاً ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:"من جمع مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر".