وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ: أَنَّ السُّلْطَانَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْقَتْلُ إِنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ شَاءَ الْعَفْوَ، لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «أَلَا وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ»
وَقَدْ بَيَّنْتُ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا: كِتَابِ الْجِرَاحِ.
وَقَوْلُهُ: {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (فَلَا تُسْرِفْ) بِمَعْنَى الْخِطَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُوَ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ، يَقُولُ: فَلَا تَقْتُلْ بِالْمَقْتُولِ ظُلْمًا غَيْرَ قَاتَلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَمَدَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ إِلَى الشَّرِيفِ مِنْ قَبِيلَةِ الْقَاتِلِ، فَقَتَلَهُ بِوَلِيِّهِ وَتَرَكَ الْقَاتِلَ، فَنَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ عِبَادَهُ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: قَتْلُ غَيْرِ الْقَاتِلِ بِالْمَقْتُولِ مَعْصِيَةٌ وَسَرَفٌ، فَلَا تَقْتُلْ بِهِ غَيْرَ قَاتَلِهِ، وَإِنْ قَتَلْتَ الْقَاتِلَ بِالْمَقْتُولِ فَلَا تُمَثِّلْ بِهِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: {فَلَا يُسْرِفْ} بِالْيَاءِ، بِمَعْنَى فَلَا يُسْرِفْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، فَيَقْتُلَ غَيْرَ قَاتِلِ وَلِيِّهِ.
وَقَدْ قِيلَ: عَنَى بِهِ: فَلَا يُسْرِفِ الْقَاتِلُ الْأَوَّلُ لِأُولِي الْمَقْتُولِ.