وفي هذا الأدب الإلهي رحمة بالخلق جميعاً ؛ لأن الله تعالى يريد أن يُثري حياة الناس في الكون ، وهَبْ أن إنساناً له حسنات كثيرة ، وعنده مواهب متعددة ، ولكن له سيئة واحدة لا يستطيع التخلّي عنها ، فلو تتبعتَ هذه السيئة الواحد فربما أزهدتْك في كل حسناته ، حرمتْك الانتفاع به ، والاستفادة من مواهبه ، أما لو تغاضيت عن هذه السيئة فيه لأمكنك الانتفاع به.
وهَبْ أن صانعاً بارعاً في صنعته وقد احتجْتَه ليؤديَ لك عملاً ، فإذا عرفت عنه ارتكاب معصية ما ، أو اشتهر عنه سيئة ما لأزهدك هذا في صَنْعته ومهارته ، ولرغبت عنه إلى غيره ، وإنْ كان أقلّ منه مهارة.
وهذا قانون عام للحق سبحانه وتعالى ، فالذي نهاك عن تتبُّع غيب الناس ، والبحث عن أسرارهم نهاهم أيضاً عن تتبُّع غَيْبك والبحث عن أسرارك ؛ ولذلك ما أنعم الله على عبيده نعمة أعظمَ من حِفْظ الغيب عنده هو ؛ لأنه ربّ ، أما البشر فليس فيهم ربوبية ، أمر البشر قائم على العبودية ، فإذا انكشف لأحدهم غَيْبُ أخيه أو عيبٌ من عيوبه أذاعه وفضحه به.
إذن: فالحق تبارك وتعالى يدعونا إلى أن نكون طُلَعة في استنباط أسرار الكون والبحث عن غيبه ، وفي الوقت نفسه ينهانا أن نكون طُلَعة في تتبّع أسرار الناس والبحث عن غيبهم ؛ لأنك إنْ تتبعتَ غيب الناس والتمسْتَ عيوبهم حرمْتَ نفسك من مصادر يمكن أنْ تنتفع بها.
فالحق سبحانه يريد في الكون حركة متبادلة ، وهذه الحركة المتبادلة لا تنشأ إلا بوجود نوع من التنافس الشريف البنّاء ، التنافس الذي يُثري الحياة ، ولا يثير شراسة الاحتكاك ، كما قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ..} [المطففين: 26]
كما يتنافس طالب العلم مع زميله المجدّ ليكون مِثْله أو أفضل منه ، وكأن الحق سبحانه يعطينا حافزاً للعمل والرُّقي ، فالتنافس المقصود ليس تنافس الغِلِّ والحقد والكراهية ، بل تنافس مَنْ يحب للناس ما يحب لنفسه ، تنافس مَنْ لا يشمت لفشل الآخرين.