وقال الزجاج: معناه لِيُدَمِّروا في حال عُلُوِّهِم، (ما فجعل ظرفًا) . قال أبو علي: ولهذا عبارةٌ أجودُ مما ذكر وأوضح في المعنى؛ وهو أن يقول: وليتبروا في وقت علوهم؛ لأن هذه (ما) التي أصلها المصدر، ثم يتسع فيها وتستعمل ظرفًا من الزمان.
8 -قوله تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} هذا مما أخبر الله تعالى أنه قضى به إلى بني إسرائيل في كتابهم، والمعنى: لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل، قال المفسرون: فعاد الله بعائدته ورحمته عليهم حتى كثروا وانتشروا.
قال الأخفش: في الآية محذوف، تقديره: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} إن فعلتم ذلك؛ يعني أحسنتم وتركتم المعاصي، ثم قال: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} قال الحسن: وإن عدتم بالمعصية عدنا بالعقوبة.
قال قتادة وإبراهيم وغيرهم: فعاد القوم لشر ما يحضر بهم، فبعث الله عليهم من شاء لنقمته وعقوبته، ثم كان آخر ذلك أن بعث عليهم هذا الحي من العرب فهم في عذاب منهم أبدًا إلى يوم القيامة، يُعْطُون الجزية عن يد وهم صاغرون, وهو معنى قوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ} الآية [الأعراف: 167] .
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} قال ابن عباس والمفسرون كلهم: سجنًا ومحبسًا، وذكرنا الكلام في الحصر عند قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [البقرة: 196] ، قال الأخفش في قوله: {حَصِيرًا} ، أي: مَحْبِسًا ومَحْصِرًا، وهو قول جميع أهل اللغة؛ قال الليث: يُفَسَّر على أنهم يُحْصَرُون فيها، وقال ابن قتيبة: هو فعيل بمعنى فاعل.
وقال أبو إسحاق: حصيرًا معناه حَبْسًا؛ من حصرته، أي حَبَسْتُه فهو محصور، وهذا حَصِيرُهُ أي مَحْبِسُهُ، والحصير الملك لأنه محجوب فكأنه محصور، والحصير الجَنْبُ؛ لأن بعض الأضلاع محصور مع بعض، ومن هذا يقال للذي يُفْرَش: حصير؛ لحصر بعضه على بعض بالنسج.