وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلْيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَلْيُدَمِّرُوا مَا غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِكُمْ تَدْمِيرًا. يُقَالُ مِنْهُ: دَمَّرْتُ الْبَلَدَ: إِذَا خَرَّبْتُهُ وَأَهْلَكْتُ أَهْلَهُ. وَتَبَّرَ تَبْرًا وَتَبَارًا، وَتَبَّرْتُهُ أُتَبِّرُهُ تَتْبِيرًا. وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا}
يَعْنِي: هَلَاكًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَعَلَّ رَبَّكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بَعْدَ انْتِقَامِهِ مِنْكُمْ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيَسُوءَ مَبْعَثُهُ عَلَيْكُمْ وُجُوهَكُمْ، وَلْيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَسْتَنْقُذُكُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَيَنْتَشِلُكُمْ مِنَ الذُّلِّ الَّذِي يُحِلُّهُ بِكُمْ، وَيَرْفَعُكُمْ مِنَ الْخُمُولَةِ الَّتِي تَصِيرُونَ إِلَيْهَا، فَيُعِزُّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
و «عَسَى» مِنَ اللَّهِ: وَاجِبٌ. وَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ، فَكَثُرَ عَدَدُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَرَفَعَ خَسَاسَتَهُمْ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْمُلُوكَ وَالْأَنْبِيَاءَ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: وَإِنْ عُدْتُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَعْصِيَتِي وَخِلَافِ أَمْرِي، وَقَتْلِ رُسُلِي، عُدْنَا عَلَيْكُمْ بِالْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ، وَإِحْلَالِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ بِكُمْ، فَعَادُوا، فَعَادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِعِقَابِهِ وَإِحْلَالِ سَخَطِهِ بِهِمْ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} قَالَ: عَادُوا فَعَادَ، ثُمَّ عَادُوا فَعَادَ، ثُمَّ عَادُوا فَعَادَ. قَالَ: فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ مُلُوكٍ مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ: سِنْدَبَادَانَ وَشَهْرَبَادَانَ وَآخَرَ.