يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَيْ نُرِيَ عَبْدَنَا مُحَمَّدًا مِنْ آيَاتِنَا، يَقُولُ: مِنْ عِبَرِنَا وَأَدِلَّتِنَا وَحُجَجِنَا، وَذَلِكَ هُوَ مَا قَدْ ذَكَرْتُ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْتُهَا آنِفًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيهِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبَعْدَ مَصِيرِهِ إِلَيْهِ مِنْ عَجَائِبِ الْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ هُوَ السَّمِيعُ لِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي مَسْرَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَقَوْلِ غَيْرِهِمْ، الْبَصِيرُ بِمَا يَعْمَلُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ، بَلْ هُوَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِهِ عِلْمًا، وَمُحْصِيهِ عَدَدًا، وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، لِيَجْزِيَ جَمِيعَهُمْ بِمَا هُمْ أَهْلُهُ.
وَكَانَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يَقُولُ: كُسِرَتْ «إِنَّ» مِنْ قَوْلِهِ: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، وَقُلْ: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وَآتَى مُوسَى الْكِتَابَ، وَرَدَّ الْكَلَامَ إِلَى {وَآتَيْنَا} وَقَدِ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ أَسْرَى، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِيمَا مَضَى مِنْ فِعْلِ الْعَرَبِ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنِ ابْتِدَاءِ الْخَبَرِ بِالْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ، ثُمَّ الرُّجُوعِ إِلَى الْخَطَّابِ وَأَشْبَاهِهِ. وَعَنَى بِالْكِتَابِ الَّذِي أُوتِي مُوسَى: التَّوْرَاةَ
{وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ}
يَقُولُ: وَجَعَلْنَا الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ التَّوْرَاةُ بَيَانًا لِلْحَقٍّ، وَدَلِيلًا لَهُمْ عَلَى مَحَجَّةِ الصَّوَابِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْهُ
وَقَوْلُهُ: {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا}