والمتأمل لهذه الآية يجد بها بشارة بتحقُّق وَعْد الله ، ويجد أن ما يحدث الآن من تجميع لليهود في أرض فلسطين آية مُرادة لله تعالى.
ومعنى الآية أننا قُلْنا لبني إسرائيل من بعد موسى:
اسكنوا الأرض وإذا قال لك واحد: اسكُنْ فلا بُدَّ أن يُحدد لك مكاناً من الأرض تسكن فيه فيقول لك: اسكن بورسعيد.. اسكن القاهرة.. اسكن الأردن.
أما أن يقول لك: اسكن الأرض!! فمعنى هذا أن الله تعالى أراد لهم أنْ يظلُّوا مبعثرين في جميع الأنحاء ، مُفرِّقين في كل البلاد ، كما قال عنهم:
{وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً..} [الأعراف: 168]
فتجدهم منعزلين عن الناس منبوذين بينهم ، كثيراً ما تُثار بسببهم المشاكل ، فيشكو الناس منهم ويقتلونهم ، وقد قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف: 167]
وهكذا سيظل اليهود خميرة عكننة ونكَدٍ بين سكان الأرض إلى يوم القيامة ، وهذه الخميرة هي في نفس الوقت عنصر إثارة وإهاجة للإيمان والخير ؛ لأن الإسلام لا يلتفت إليه أهله إلا حين يُهَاج الإسلام ، فساعة أنْ يُهَاجَ تتحرك النزعة الإيمانية وتتنبّه في الناس.
إذن: فوجود اليهود كعنصر إثارة له حكمة ، وهي إثارة الحيوية الإيمانية في النفوس ، فلو لم تُثَر الحيوية الإيمانية لَبهتَ الإسلام.
وهذه هي رسالة الكفر ورسالة الباطل ، فلوجودهما حكمة ؛ لأن الكفر الذي يشقي الناس به يُلفِت الناس إلى الإيمان ، فلا يروْنَ راحة لهم إلا في الإيمان بالله ، ولو لم يكُنْ الكفر الذي يؤذي الناس ويُقلق حياتهم ما التفتوا إلى الإيمان.
وكذلك الباطل في الكون بعض الناس ويُزعجهم ، فيلتفتون إلى الحق ويبحثون عنه.