ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6)
الخطاب في هذه الآية مُوجَّه لبني إسرائيل ، والآية تمثل نقطة تحوُّل وانقلاب للأوضاع ، فبعد أن تحدثنا عنه من غلبة المسلمين ، وأن الله سلّطهم لتأديب بني إسرائيل ، نرى هنا أن هذا الوضع لم يستمر ؛ لأن المسلمين تخلَّوْا عن منهج الله الذي ارتفعوا به ، وتَنصَّلوا من كَوْنهم عباداً لله ، فدارت عليهم الدائرة ، وتسلّط عليهم اليهود ، وتبادلوا الدور معهم ؛ لأن اليهود أفاقوا لأنفسهم بعد أن أدبهم رسول الله والمسلمون في المدينة ، فأخذوا ينظرون في حالهم وما وقعوا فيه من مخالفات.
ولا بُدّ أنه قد حدث منهم شبه استقامة على منهج الله ، أو على الأقل حدث من المسلمين انصراف عن المنهج وتنكُّب للطريق المستقيم ، فانحلَّتْ الأمور الإيمانية في نفوس المسلمين ، وانقسموا دُوَلاً ، لكل منها جغرافياً ، ولكل منها نظام حاكم ينتسب إلى الإسلام ، فانحلّتْ عنهم صِفَة عباد الله.
فبعد قوتهم واستقامتهم على منهج الله ، وبعد أن استحقوا أن يكونوا عباداً لله بحق تراجعت كِفتهم وتخلَّوْا عن منهج ربهم ، وتحاكموا إلى قوانين وضعية ، فسلَّط عليهم عدوهم ليؤدّبهم ، فأصبحتْ الغلبة لليهود ؛ لذلك يقول تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ..} [الإسراء: 6]
و {ثُمَّ} حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي ، على خلاف الفاء مثلاً التي تفيد الترتيب مع التعقيب ، ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} [عبس: 21 - 22]
فلم يَقُل الحق سبحانه: فرددنا ، بل {ثُمَّ رَدَدْنَا} ذلك لأن بين الكَرَّة الأولى التي كانت للمسلمين في عهد رسول الله ، وبين هذه الكَرَّة التي كانت لليهود وقتاً طويلاً.