إنما الذي يليق بالمسلم أن يقاوم الشر ما أمكنه، ويفعل الخير ما استطاع، ولا يقف مكتوف اليدين، وفي قدرته أن يعمل مثقال ذرة من خير، والله تعالى يقول: (( فاتّقوا الله ما استطعتم ) ) (التغابن: 16) . ولقد ضربت مثلا للدولة المسلمة المنشودة بأشجار الزيتون والنخيل تغرس في بستان، لا ينتظر أن تؤتي ثمارها إلا بعد سنين، فهل يقف صاحب البستان بلا عمل يعمله، ولا ثمرة يقطفها، حتى يثمر النخيل والزيتون؟ كلا، إنه يزرع من الخضروات والزروع ما هو أسرع نتاجاً وأقرب ثمرة، وبذلك يخصب أرضه، ويعمر وقته، ويشغل نفسه بما ينفعه وينفع من حوله، وفي الوقت ذاته يتعهد زيتونه ونخله بالرعاية حتى يأتي أوان حصاده بعد حين.
أحسنوا الظن بالمسلمين
وأنصح أبنائي الشباب ـ سادساً وأخيراً ـ أن يخلعوا منظارهم الأسود، عندما ينظرون إلى الناس، وأن يفترضوا الخير في عباد الله، ويقدموا حسن الظن، وأن يعلموا أن الأصل هو البراءة، وحمل حال أهل الإسلام على الخير.
ومما يساعد على هذا السلوك المتفائل نظرات ثلاث:
الأولى: أن يعاملوا الناس باعتبارهم بشراً على الأرض، وليسوا ملائكة أولي أجنحة، فهم لم يخلقوا من نور، وإنما خلقوا من حمأ مسنون، فإذا أخطأوا فكل بني آدم خطاء، وإذا أذنبوا فقد أذنب أبوهم الأول: (( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً ) )
(طه: 115) .
فلا غرابة إذن أن يعثر الناس وينهضوا، وأن يخطئوا ويصيبوا، وعلينا أن نفتح لهم باب الأمل في عفو الله ومغفرته، بجوار تخويفهم من عقاب الله وبأسه، فالعالم كل العالم من لم يوئس عباد الله من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، وحسبنا هنا قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم (( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعاً. إنّه هو الغفور الرّحيم ) ) (الزمر: 53) . فانظر إلى إيناسه سبحانه لهم، حين ناداهم"يا عبادي"وأضافهم إلى ذاته المقدسة، تلطفاً بهم، وتقريباً لهم من ساحته، ثم كيف فتح باب المغفرة على مصراعيه لكل الذنوب، فإنها مهما عظمت فعفو الله أعظم منها.