{وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} : من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مِما ابتدعوا تحريمه واخترعوه من تلقاء أنفسهم وغرضهم من قولهم ذلك. تكذيب الرسول والطعن في الرسالة رأسًا بما حاصله أن ماشاء الله تعالى يجب وما لم يشأ يمتنع، فلو أنه سبحانه شاء أن نوحده ولا نشرك به شيئًا، ونحل ما أحله، ولا نحرم شيئا
مما حرمنا كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى، لكان الأمر وفق مشيئته من التوحيد ونفى الإشراك وتحليل ما أحله وعدم تحريم شيء مما حرمنا، وحيث لم يتحقق هذا. ثبت أنه جل شأنه لم يشأ شيئًا مما ذكر. بل شاء ما نحن عليه، وتحقق أن ما تقوله الرسل هو من تلقاء أنفسهم. فرد عليهم سبحانه بقوله:
{كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} : أي سئل هذا التكذيب والاستهزاء الشنيع بالرسل وادعاء أن شركهم رضيه الله وشاءه لهم - مثل ذلك كله اقترفه الذين سبقوهم من الأمم المسابقة. فأشركوا بالله، وحرموا ما أحله، وجادلوا رسلهم بالباطل، ليدحضوا به الحق، وأعرضوا عما يدعونهم إليه استخفافًا بهم فأهلكوا.
وقد أنكر الله عليهم مجابهتهم للرسل، وتماديهم في عنادهم، وبين أن المرسلين ليسوا مسئولين عن كفرهم بعد أن بلغوهم شريعة ربهم بوضوح وإخلاص فقال سبحانه:
{فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} : أي ليس من شأنهم إلا تبليغ الرسالة تبليغا واضحًا. لإظهار طريق الحق وإبانة أحكام الوحي: بما ينبئ أن مشيئته جل شأنه. إنما تتعلق بهداية من صرف قدرته واختياره إلى تحقيق الحق، وفعل الطاعة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} .