{هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك؟ كذلك فعل الذين من قبلهم ، وما ظلمهم الله ، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. فأصابهم سيئات ما عملوا ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} ..
وعجيب أمر الناس. فإنهم يرون ما حل بمن قبلهم ممن يسلكون طريقهم ، ثم يظلون سادرين في الطريق غير متصورين أن ما أصاب غيرهم يمكن أن يصيبهم ، وغير مدركين أن سنة الله تمضي وفق ناموس مرسوم ، وأن المقدمات تعطي دائما نتائجها ، وأن الأعمال تلقى دائماً جزاءها ، وأن سنة الله لن تحابيهم ولن تتوقف إزاءهم ، ولن تحيد عن طريقهم.
{وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} فقد أتاهم الله حرية التدبر والتفكر والاختيار ، وعرض عليهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم ، وحذرهم العاقبة ، ووكلهم إلى عملهم وإلى سنته الجارية. فما ظلمهم في مصيرهم المحتوم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
وما قسا عليهم في عقوبة ، إنما قست عليهم أعمالهم ، لأنهم أصيبوا بها أي بنتائجها الطبيعية وجرائرها: {فأصابهم سيئات ما عملوا ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} .. ولهذا التعبير وأمثاله دلالة فإنهم لا يعاقبون بشيء خارج عن ثمرة أعمالهم الذاتية. وإنهم ليصابون بجرائر سلوكهم التلقائية. وهم ينتكسون إلى أدنى من رتبة البشرية بما يعملون ، فيجازون بما هو أدنى من رتبة البشرية في دركات المقام المهين ، والعذاب الأليم.
ومقولة جديدة من مقولات المشركين عن علة شركهم وملابساته:
{وقال الذين أشركوا: لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ، ولا حرمنا من دونه من شيء. كذلك فعل الذين من قبلهم. فهل على الرسل إلا البلاغ المبين؟ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ؛ فمنهم من هدى الله ، ومنهم من حقت عليه الضلالة. فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} ..