فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم، إرادة العموم (يَخافُونَ) يجوز أن يكون حالا من الضمير في لا (يَسْتَكْبِرُونَ) أي: لا يستكبرون خائفين، وأن يكون بيانا لنفى الاستكبار وتأكيداً له، لأنّ من خاف الله لم يستكبر عن عبادته مِنْ فَوْقِهِمْ إن علقته بـ (يخافون) ، فمعناه: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علقته بربهم حالا منه فمعناه: يخافون ربهم عالياً لهم قاهراً، كقوله (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ) [الأنعام: 18، 61] ، (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) [الأعراف: 127] وفيه دليل على أنّ الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء.
بـ"مِن"، وبُيِّنَ بقوله: (مِنْ دَابَّةٍ) ، والدابة كما صرح في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) الآية، بقوله:"ولما كان اسم الدابة موقعاً على المميز وغير المميز"لكفى به دليلاً ظاهراً على التغليب، ولكن إنما اختير"ما"للوصفية المشعرة بالتواضع والاستصغار، لاقتضاء السجود ذلك، كما في قوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) كأنه جاء بت"ما"دون"مَن"تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم. ومما يعضده أن هذه الآية معطوفة على الآية السابقة عطف الخاص على العام، وقد فُصلت السابقة بقوله: (وَهُمْ دَاخِرُونَ) . وأما تكرير ذكر الملائكة على الوجه الثاني في الكتاب فتعريض بمن عند الملائكة، وأنهم أحرياء بأن يخضعوا لله تعالى، ويتضاءلوا لجلاله عز وجل، ومن ثمة: أتبعه بقوله: (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ) . والله أعلم.
قوله: (( يَخَافُونَ) يجوز أن يكون حالاً)، وأن يكون بياناً لنفي الاستكبار وتأكيداً له، الانتصاف: الثاني أصح؛ لأن الحال تُعطي انتقالاً وتوهم تقييداً، والواقع عدم استكبارهم مطلقاً غير مقيد بحال.
قوله: (إن علقته بـ(يَخَافُونَ ) ) ، أي: جعلته متصلاً به وتتمة لمعناه، ولم تُرد به تعلق المعمول بالعامل، فعلى هذا (مِنْ فَوْقِهِمْ) : متعلق بمتعلق (يَخَافُونَ) ، يدل عليه جعل المصنف"أن يُرسل"بدلاً من الضمير في"يخافونه"، ويمكن أن يُقدر: ويخافون عذاب ربهم كائناً من فوقهم. انتهى انتهى {حاشية الطِّيبِي على الكشاف. 9/ 111 - 132} .