وقال بعض أهل المعاني: مجاز قوله تعالى: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً} ليحسنّن إليهم في الدنيا . {وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الذين صَبَرُواْ} في الله على ما نابهم {وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ} الآية نزلت في مشركي مكة حين أنكروا نبوة محمّد صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً فهّلا بعثت إلينا ملكاً.
{فاسألوا أَهْلَ الذكر} يعني هم أهل الكتاب {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بالبينات والزبر} فإن قيل: ما الجالب لهذه الباء؟
قيل: قد اختلفوا في ذلك: فقال بعضهم: هي من صلة أرسلنا و {إِلاَّ} بمعنى غير ، مجازه: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال يوحى إليهم ولم نبعث ملائكة . وهذا كما تقول: ماضرب إلاّ أخوك عمر ، وهل كلم إلاّ أخوك زيداً ، بمعنى ماضرب عمر غير أخيك ، هل كلم زيداً غير أخيك.
قال أوس بن حجر:
أبني لبيني لستمُ بيد ... إلا يد ليست لها عضد
يعني غير يده ، قال الله {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] أي غير الله.
وقال بعضهم: إنما هذا على كلامين ، يريد: وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً أرسلنا بالبينات والزبر ويشهد على ذلك بقول الأعمش:
وليس مجيراً إن أتى الحي خائف ... ولا قائلا إلاّ هو المتعيّبا
يقول: لو كان بذلك على كلمة لكان خطأ من سفه القائل ، ولكن جاء ذلك على كلامين كقول الآخر:
نبّئتهم عذّبوا بالنار جارهم ... وهل يعذّب إلاّ الله بالنار
وتأويل الكلام: وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر.