قوله عز وجل: {أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} قرئ: على الاستفهام ومعناه: الإلزام والإثبات، لأنه لما قال لهم: {هَلْ عَلِمْتُمْ .... } الآية، عرفوه أنه يوسف، تعضد قراءة من قرأ: (إنك) على الخبر وهو ابن كثير. وقرئ: (أئنك أَو أنت يوسف) على حذف خبر (إنَّ) ، أي: أَإِنَّك يوسف، أو أنت يوسف، كأنه قيل: بل أنت يوسف، فلما خرج مخرج التوقف قال: أنا يوسف، وحَذْفُ خبر (إنَّ) جائز في كلام القوم نظمهم ونثرهم إذا دل عليه الدليل، قال الأعشى:
347 -إِنَّ مَحَلًّا وإِنَّ مُرْتَحَلا ... وإنَّ فِي السَّفْر إذْ مَضَوْا مَهَلا
أي: إن لنا محلًّا، وإن لنا مرتحلًا، ويقولون: هل لكم أحد؟ إن الناس عليكم، فيقولون: إنَّ زيدًا وإنَّ عمرًا، أي: لنا. وأما في الآية، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه.
واللام في {لَأَنْتَ} لام الابتداء، وأنت على قراءة الجمهور يحتمل أن يكون مبتدأ، وأن يكون فصلًا، ولا يجوز أن يكون توكيدًا للكاف، كقولك: مررت بك أنت، وبه هو؛ لأجل اللام الفاصل بينهما، ولا يجوز الفصل بين المؤكَّد والمؤكِّد بشيء، فاعرفه.
وقوله: {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} كلام مستأنف، وقيل: هو حال من {يُوسُفُ} و {أَخِي} ، وليس بشيء لعدم العامل، فإن قلت: العامل في الحال (هذا) قلت: لا يجوز، لأجل أن (هذا) إشارة إلى الأخ وحده، والمراد بـ {عَلَيْنَا} كلاهما.
وقوله: {إِنَّهُ} أي: إن الأمر والشأن.
{مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} : (مَنْ) شرطية في موضع رفع بالابتداء، {يَتَّقِ} جزم بها، وعلامة المجزم حذف الياء، {وَيَصْبِرْ} عطف عليه.
{فَإِنَّ اللَّهَ} الفاء جواب الشرط، والخبر فعل الشرط أو الجواب على الخلاف المذكور في غير موضع. وقرأ قنبل عن ابن كثير: (يَتقي) بالياء، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه قدر الحركة على الياء فحذفها للجزم، وبقى الياء ساكنة، وجعل المعتل كالصحيح، كما قَدَّرَ ذلك وجعله كالصحيح مَنْ قال:
348 -أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي ...
والثاني: أنه أشبع الكسرة فنشأت منها الياء كما تنشأ الألف من الفتحة والواو من الضمة.
والثالث: أنه جعل {مَنْ} موصولة، ورفع (يتقي) لأنه صلة