{قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) } :
قوله عز وجل: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أصله: لا تفتأ، فحذف حرف النفي لحصول العلم به، لأنه لا يلتبس بالإثبات، لأنه لو كان إثباتًا لم يكن بد من اللام والنون في الأمر العام، أو من أحدهما، و {تَذْكُرُ} في موضع نصب بخبر {تَفْتَأُ} ، والمعنى: لا تزال تذكر يوسف بالتأسف والتوجع عليه.
وعن مجاهد: لا تفتر من حبه. قيل: كأنه جعل الفتوء والفتور أخوين، يقال: ما فتئ يفعل. قال أوس:
344 -فَمَا فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوبُ وَتَدَّعِي ... وَيَلْحَقُ مِنْهَا لاحِقٌ وَتَقَطَّعُ
أي: فما زالت.
وقوله: {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} الحَرَضُ الذي أذابه الحزن أو العشق، وهو في معنى مُحْرَضٍ، وقد حَرِضَ بالكسر، وأحرضَهُ الحزن أو العشق، أي: أفسده، وأُنشد على ذلك:
345 -إِنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي ... حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ
أي: أذابني فتركني مُحْرَضًا، ويستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكر والمؤنث لأنه مصدر، والصفة حرِض بالكسر، وقد ذكر آنفًا، ونظيرهما دَنَفٌ وَدَنِفٌ وَحَرَجٌ وحَرِجٌ.
وقرئ: (حُرُضًا) بضم الحاء والراء، ونظيره في الصفات: جُنُبٌ. و {حَتَّى} متعلقة بقوله: {تَذْكُرُ} وغاية له.
{قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) } :
قوله عز وجل: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} البث: أشد الحزن الذي لا يصبر عليه صاحبه حتى يبثه إلى الناس، أي: ينشره. وأصل البث: البسط والنشر، وعن الحسن: (وَحَزَنِي) بفتح الحاء والزاي. (وَحُزُنِي) بضمهما.