فما تصنع بالآية على مذهبه؟ قلت: قيل: هي حرف من حروف الجر كما زعم، ولكنها وضعت موضع التنزيه والبراءة في باب الاستثناء، على معنى: براءةً لله وتنزيهًا له من هذا، وهو من التنحي، أي: قد نَحَّى الله يوسف - عليه السلام - من هذا، وقيل: المعنى تنزيه الله من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خَلْقِ جميلٍ مثله، وأما قوله: {حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} فالتعجب من قدرته على خَلْقِ عَفيفٍ مثله، تعضده قراءة من قرأ: (حاشا اللهِ) بإضافة (حاشا) إلى الله إضافة البراءة، وهو ابن مسعود - رضي الله عنه -.
وقراءة من قرأ: (حَاشًا لله) بالتنوين، وهو أبو السَّمَّال، قيل: وإنما جاز فيه (حاشا لله) ألا ينون بعد إجرائه مجرى براءة الله مراعاة لأصله الذي هو الحرفية، ألا ترى إلى قولهم: (جلست مِن عن يمينه) ، كيف تركوا (عن) غير معرب على أصله، و (على) في قوله: (عذت مِن عليه) منقلب الألف إلى الياء مع الضمير.
وقرئ أيضًا: (حاشْ للهِ) بإسكان الشين على أن الفتحة أتبعت الألف في الإسقاط، وذلك أنه لما حذفت الألف تخفيفًا أتبعت حذف الفتحة إذ كان كالعوض اللاحق مع الألف، فصارت كالتكرير في الراء، والتفشي في الشين، وإذا حذفت الراء والشين ذهب معهما ما يصحبهما من التكرر والتفشي فاعرفه، فإنه من كلام أبي الفتح.
وقوله: {مَا هَذَا بَشَرًا} الجمهور على إعمال (ما) وهو لغة أهل الحجاز. وأما بنو تميم، فيقرؤون: (ما هذا بشرٌ) بالرفع إلا من عرف الرسم منهم، كذا ذكر عنهم صاحب الكتاب - رحمه الله - تعالى، وبالرفع قرأ بعض القراء، وليس بالمتين لأجل مخالفة"الإمام"مصحف عثمان - رضي الله عنه -.
وقرئ: (ما هذا بِشِرًى) بكسر الباء والشين، وهو مصدر قولك:
شَرَيْتُ الشيءَ أَشْرِيه شِرًى، إذا بعته وإذا اشتريته أيضًا، وهو من الأضداد، وهذا فيه وجهان:
أحدهما: المراد به المبيع، أي: ما هذا بِشِرًى، أي: ما هذا بمَشْرِيّ، أي: ما هو بعبد مملوك، تَسْميةً للمفعول بالمصدر. كخَلْقِ الله، وصَيْدِ الصائد، وهبة الواهب، ومنه قوله - عليه السلام:"الراجع في هبته"، أي: موهوبه، والباء زائدة لتوكيد النفي.