وقوله: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي: جرحنها، كقولك: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها.
قال أبو إسحاق: وهذا مستعمل في الكلام، يقول الرجل: قد قطعت يدي، وهو يريد الجُرْحَ والخَدْشَ.
وقوله: {وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} حاشا: كلمة يستثنى بها وتفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، تقول: أساء القوم حاشا زيدٍ، قال:
329 -حاشا أبي ثَوْبانَ إِنَّ به ... ضنًّا عَنِ المَلْحاةِ والشَّتْمِ
وقد تكون حرفًا جارًا، وقد تكون فعلًا، فإن جعلتها فعلًا نصبت بها، وإن جعلتها حرفًا جررت بها نحو: ضربت القوم حاشا زيدًا، وضربتهم حاشا زيدٍ، وهي هنا فعل، إذ لو كانت حرفًا لما دخلت على الحرف، لأن حرف الجر لا يدخل على مثله، مأخوذ من الحشا وهو الناحية، يقال: كنت في حشا فلان، أي: في ناحيته، و: لا أدري أي الحشا أخذ، أي: أي الناحية أخذ؟ وإذا كان فعلًا من هذا فلا بد له من فاعل، وفاعله يوسف - عليه السلام -، أي: حاشا يوسف، أي: بَعُدَ عن هذا الذي رُمِيَ به لله، أي: لخوفه، فحذف المضاف، كأنه صار في ناحية مما رمي به.
وقرئ: (حاشا) بألفين على الأصل، و (حاش) بحذف الألف الثانية
تخفيفًا، وهو كثير شائع في كلام القوم نحو: لم يك، ولا أدر، وشبه ذلك.
وحكى أبو عثمان المازني عن أبي زيد: قال سمعت أعرابيًّا يقول: اللهم اغفر لي ولمن سمعَ حاشا الشيطانَ وابنَ الإصبع. فنصب بحاشا كما ترى، فدل على أنها فعل.
فإن قلت: مذهب صاحب الكتاب - رحمه الله - أن حاشا حرفٌ جارٌّ ليس إلّا، إذ لو كانت فعلًا لجاز أن تكون صلة ر (ما) ، كما يجوز ذلك في (خلا) ، فلما امتنع أن يقال: جاء القوم ما حاشا زيدًا، دلت على أنها ليست بفعل.
330 -إذا قالتْ حَذامِ فَصَدِّقُوها ... فإنَّ القولَ ما قالتْ حَذامِ