والجمهور على الجر والتنوين في (قُبُلٍ) و (دُبُرٍ) ، وقرئ: (مِنْ قُبُلُ) و (مِنْ دُبُرُ) بثلاث ضمات من غير تنوين على مذهب الغايات، والأصل: من قُبل القميص ومن دُبره، فلما حذف المضاف إليه وهو مراد صار المضاف غاية نفسه بعد ما كان المضاف إليه غاية له، والذي سوغ البناء فيهما كونهما يستعملان ظرفين، بشهادة قول الفرزدق:
323 -يُطاعِنُ قِبلَ الخيلِ وهو أمامَها ... ويَطْعَنُ عن أدبارها إنْ تَوَلَّتِ
وقول الله جل ذكره: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} فنصبه على الظرف، أي: وقت إدباره، وهو جمع دبر، قيل: وأما التنكير فمعناه من جهةٍ يقال لها: قُبُلٌ، ومن جهة يقال لها: دُبُرٌ.
وعن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: (مِنْ قُبُلَ) و (مِنْ دُبُرَ) بالفتح، كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث. قال أبو إسحاق: ولا أعلم أحدًا من البصريين ذكر الفتح غيره أيضًا.
وقرئ أيضًا: (مِنْ قُبْلٍ) و (من دُبْر) بإسكان العين فيهما تخفيفًا.
وقيل: وإنما جاز الجمع بين {إِنْ} الذي هو علم للاستقبال، وبين {كَانَ} : الذي هو عَلَمٌ للمضي حملًا على المعنى، لأن المعنى: إن يكن، أي: إن يعلم فالعلم لم يقع بعد، وكذا الكون لا يكون لأنه مُؤَدٍ عن العلم.
{فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) } :
قوله عز وجل: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} محل {قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} النصب على الحال من القميص، أي: فلما رآه مقدودًا من خلف.