لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ لَا مَحَالَةَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَكَانَ هَذَا الدُّعَاءُ حَاصِلُهُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ؟
وَالْجَوَابُ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّ كَمَالَ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِحُكْمِ اللَّه تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ يَسْتَقِرُّ قَلْبُهُ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْلَامِ وَيَرْضَى بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَرِهِ، وَيَكُونُ مُطْمَئِنَّ النفس منشرح الصدر منفسخ الْقَلْبِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ زَائِدَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكُفْرِ، فَالْمَطْلُوبُ هاهنا هُوَ الْإِسْلَامُ بِهَذَا الْمَعْنَى.
* إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَالصَّلَاحُ أَوَّلُ دَرَجَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَالْوَاصِلُ إِلَى الْغَايَةِ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَطْلُبَ الْبِدَايَةَ؟
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: يَعْنِي بِآبَائِهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَالْمَعْنَى: أَلْحِقْنِي بِهِمْ فِي ثَوَابِهِمْ ومراتبهم ودرجاتهم.
(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(110)
اعْلَمْ أَنَّهُ قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ كُذِبُوا بِالتَّخْفِيفِ، وَكَسْرِ الذَّالِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
وَمَعْنَى التَّخْفِيفِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الظَّنَّ وَاقِعٌ بِالْقَوْمِ، أَيْ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ الْقَوْمِ فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا فِيمَا وَعَدُوا مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لَمْ يَجْرِ فِيمَا سَبَقَ ذِكْرُ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ فَكَيْفَ يَحْسُنُ عَوْدُ هَذَا الضَّمِيرِ إِلَيْهِمْ؟