وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الصَّغَائِرِ، وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ لِأَنَّ إِيذَاءَ الْأَبِ الَّذِي هو نبي معصوم، والكذب معه وَالسَّعْيَ فِي إِهْلَاكِ الْأَخِ الصَّغِيرِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْكَبَائِرِ، بَلِ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ مَا كَانُوا أَنْبِيَاءَ، وَإِنْ كَانُوا أَنْبِيَاءَ إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ إِنَّمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ.
(أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ(12)
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ (نَرْتَعْ) بِالنُّونِ وَجَزْمِ الْعَيْنِ وَمِثْلُهُ (نَلْعَبْ) .
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الرَّتْعُ الْأَكْلُ بِشَرَهٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْخِصْبُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ اللَّعِبِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمُبَاحَاتِ وَهَذَا يُوصَفُ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَأَمَّا نَلْعَبْ فَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِأَبِي عَمْرٍو: كَيْفَ يَقُولُونَ نَلْعَبُ وَهُمْ أَنْبِيَاءُ؟
فَقَالَ لَمْ يَكُونُوا يَوْمَئِذٍ أَنْبِيَاءَ، وَأَيْضًا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ اللَّعِبِ الْإِقْدَامَ عَلَى الْمُبَاحَاتِ لِأَجْلِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِجَابِرٍ: «فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ»
وَأَيْضًا كَانَ لَعِبُهُمُ الِاسْتِبَاقَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ تَعَلُّمُ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ مَعَ الْكُفَّارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَإِنَّمَا سَمَّوْهُ لَعِبًا لِأَنَّهُ فِي صُورَتِهِ.
(قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ(14)
وَفِيهِ سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا فَائِدَةُ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ) ؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ كَلِمَةَ (إِنْ) تُفِيدُ كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزَاءِ، أَيْ إِنْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ فَنَحْنُ خَاسِرُونَ، فَهَذِهِ اللَّامُ دَخَلَتْ لِتَأْكِيدِ هَذَا الِاسْتِلْزَامِ.
الثَّانِي: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» هَذِهِ اللَّامُ تدل على