هذا ولا يبعد أن السيد يوسف عليه السلام خشي أن يخرج ساكتا من السجن عن أمره الذي سجن من أجله وشاع خبره لدى العامة ولم تتضح براءته منه بصورة جلية ليطلع عليها الخاص والعام ، وقرف به من أن يتسلق به الحاسد إلى تقبيح أمره ذلك ، فيكون سلّما إلى الحط من قدره ونظر الناس إليه بعين الاحتقار ، فلا يعلق كلامه في قلوبهم وهو بحاجة إلى ذلك لتمهيد دعوته إلى ربه ، وقد لا يترتب على دعوته قبولهم فيما لو بقي ساكتا عن إظهار واقعته ، لذلك فإنه وضحها للناس على الصورة المذكورة أعلاه ، هذا ولما ثبت لدى الملك براءته ورأى علمه وفضله ودرايته وثناء العامة عليه أحبّ أن يصطفيه لنفسه ، لأن الصابر العفيف الحسن الكتوم أهل لأن يكون من خواص الملك ، وكان عليه السلام العفيف الحسن الكتوم أهل لأن يكون من خواص الملك
، وكان عليه السلام متحليا بكل وصف حميد ، فأراد أن يوليه أمر ملكه وتدبير رعيته المنبئ عنه قوله تعالى"وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي"فذهب الرسول الأول حالا فرحا مسرورا ودخل السجن وبلغه أمر الملك على رؤوس الأشهاد ،
وقال إن الملك أمر بإخراجك من السجن بلا عودة ، وطلب مقابلتك ليوليك أمره ، فودع أهل السجن ودعا لهم بخير ، ولما خرج أسفوا كلهم على فراقه وفرحوا بخروجه ، قالوا ولما خرج كتب على باب السجن هذا بيت البلاء ، وقبر الأحياء ، وشماتة الأعداء ، وتجربة الأصدقاء.
ثم اغتسل خارجه ولبس ثيابه وتوجه نحو الملك ، فلما قرب منه قال حسبي ربّي من دنياي ، حسبي ربي من خلقه ، عز جارك يا اللّه وجلّ ثناؤك ولا إله غيرك.
ولما وقف بين يديه وأبصره قال اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بك من شره وشر غيره.