{يَا هُودُ} [هود: 53] أي: يا قلب، {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} [هود: 53] برهان نستدل به على ما يقول إنه الحق وهو طريق الحق، وبه يتوصل إلى الحق والبرهان، واردات ترد على القلوب من علام الغيوب فتعجز النفس عن تكذيبها لصدمات سطواتها، وكل نفس لم يأت القلب إليها بهذا البرهان لا تتابع القلب، وتقول: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا} [هود: 53] من الشهوات والمستلذات الحيوانية.
{عَن قَوْلِكَ} [هود: 53] أي: بمجرد قولك من غير التأييد الرباني ودلائل البرهان، {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: 53] بمصدقين بالبرهان.
{إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 54] أي: ما نقول في سبب دعوتنا إلى غير مشاربنا لك إلا بعض مشتهياتنا تبعك في الطلب وعز عليك تحصيله، فأردت أن تترك مشاربنا ونطلب مشاربك، {قَالَ} [هود: 54] أي: القلب في الجواب، {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا} [هود: 54] أنتم أيضاً، {أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [هود: 54] {مِن دُونِهِ} [هود: 55] أي: بريء من المشارب كلها غير مشرب يسقيني فيه الله عز وجل من شراب طهور يطهرني من لوث الحدث.
ثم قال: {فَكِيدُونِي جَمِيعاً} [هود: 55] يا نفس الهوى والشيطان والدنيا، فيها إشارة إلى أن النفس وأخواتها في كيد القلب على الدوام والقلب المؤيد بالتأييد الرباني لا يبالي بيكدهم، وأنه متوكل على الله في جميع الحالات متظهر به حتى يقول: {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} [هود: 55] فيما تقدرون في كيدي وعداوتي، {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} [هود: 56] أي: هو الذي يربيني على طلب الحق، ويربيكم على طلب الباطل، {مَّا مِن دَآبَّةٍ} [هود: 56] تدب في طلب الخير والشر، {إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} [هود: 56] يجرها بها إلى الخير والشر وهي في قبضة قدرته مذللة.