ويقول فِي سورة الناس (ص 385، 386) :"مسألة - وربما قيل فِي قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *اله النَّاسِ *مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} : أليس ذلك يدل على أن السيطان يؤثر فِي الإناسن حتى أُمِرنا بأن نتعوَّذ من شره، وأنتم تقولون: إن هلا يقدر على شيء من ذلك؟ وجوابنا: أنه تعالى بيَّن أن هذا السواس من الجِنَّة والناس، ومعلوم أن من يوسوس من الناس لا يخبط ولا يُحدث فيمن يوسوس له تغيير عقل وجسم، فكذلك حال الشيطان، ومع ذلك فلا بد فِي وسوستهم من أن يكون ضرر يصح أن يُتعوَّذ بالله تعالى منه، وهذا يدل إذا تأمله المرء على قولنا بأن العبد مختار لفعله، وذلك لأنه تعالى لو كان يخلق كل هذه الأمور فيه لم يكن لهذا التعوُّذ معنى، لأنه إن أراد خلق ما يضره فيه، وخلق المعاصى فيه، فهذا التعوُّذ وجوده كعدمه، وإنما ينفع متى كان العبد مختاراً، فإذا أتى بهذا التعوُّذ كان أقرب إلى أن لا يناله من قِبَلِ الجِنَّة والناس ما كان يناله لولا ذلك".
* رؤية الله:
ولما كان المعتزلة لا يجوزِّون وقوع رؤية الله فِي الآخرة، فإن صاحبنا قد تخلَّص من كل آية تُجوَّز وقوع الرؤية.
فمثلاً فِي سورة يونس يقول فِي (ص 159) ما نصه:"مسألة - وربما قيل فِي قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} : أليس المراد بها الرؤية على ما روى فِي الخبر؟ وجوابنا: أن المراد بالزيادة التفضل فِي الثواب، فتكون الزيادة من جنس المزيد عليه، وهذا مروى، وهو الظاهر، فلا معنى لتعلقهم بذلك، وكيف يصح ذلك وعندهم أن الرؤية أعظم من كل الثواب فكيف تُجعل زيادة على الحسنى؟ ولذلك قال بعده: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} فبيَّن أن الزيادة هي من هذا الجنس فِي الجنَّة".