ثم أمر نبيه وأمته تبعيته صلى الله عليه وسلم بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام ، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال {واذكر ربك في نفسك} وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء. والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء. قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه. قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة. الثالث والرابع: {تضرعاً وخيفة} أي متضرعاً وخائفاً ، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية. والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين ، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا ، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة. الخامس: قوله {ودون الجهر من القول} والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء ، قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف.