هذا وقد دس لهم الشيطان حيلة لطيفة وبلغ منهم مكيدة بليغة فقال لهم هذا الذي في أيديكم علم قصير وبضاعة مزجاة لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية فاستعينوا عليه بالكلام وصلوه بمقطعات منه واستظهروا بأصول المتكلمين يتسع لكم مذهب الخوض ومجال النظر فصدق عليهم إبليس ظنه وأطاعه كثير منهم واتبعوه إلا فريقا من المؤمنين فيا للرجال والعقول أين يذهب وأنى يخدعهم الشيطان عن حظهم وموضع رشدهم والله المستعان انتهى كلام الخطابي
باب حكاية حال الناس قبل المائة الرابعة وبيان سبب الاختلاف بين الأوائل والأواخر في الانتساب إلى مذهب من المذاهب وعدمه وبيان سبب الاختلاف بين العلماء في كونهم من أهل الاجتهاد المطلق أو أهل الاجتهاد في المذهب والفرق بين هاتين المنزلتين
إعلم أن الناس كانوا في المائة الأولى والثانية غير مجمعين على التقليد لمذهب واحد بعينه قال أبو طالب المكي في قوت القلوب إن الكتب والمجموعات محدثة والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد من الناس واتخاذ قوله والحكاية له في كل شيء والتفقه على مذهبه لم يكن الناس قديما على ذلك في القرنين الأول والثاني انتهى
أقول وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج غير أن أهل المئة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص
على مذهب واحد والتفقه له والحكاية لقوله كما يظهر من التتبع بل كان الناس على درجتين العلماء والعامة وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أو بين جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع وكانوا يتعلمون صفة الوضوء والغسل وأحكام الصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو علماء بلدانهم فيمشون على ذلك وإذا وقعت لهم واقعة نادرة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من غير تعيين مذهب قال ابن الهمام في آخر التحرير كانوا يستفتون مرة واحدا ومرة غيره غير ملتزمين مفتيا واحدا انتهى
وأما الخاصة العلماء
فكانوا على مرتبتين