ورابعهم أبو عيسى الترمذي وكأنه استحسن طريقة للشيخين حيث بينا وما أبهما وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب فجمع كلتا الطريقتين وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار فجمع كتابا جامعا واختصر طرق الحديث اختصارا لطيفا فذكر واحد وأومأ إلى ما عداه وبين أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر وبين وجه الضعف ليكون الطالب على بصيرة من أمره فيعرف ما يصلح للاعتبار مما دونه وذكر أنه مستفيض أو غريب وذكر مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار وسمى من يحتاج إلى التسمية وكنى من يحتاج إلى التكنية فلم يدع خفاء لمن
هو من رجال العلم ولذلك يقال إنه كاف للمجتهد مغن للمقلد
وكان بإزاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل ولا يهابون الفتيا ويقولون على الفقه بناء الدين فلا بد من إشاعته ويهابون رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفع إليه حتى قال الشعبي على من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا فإن كان فيه زيادة أو نقصان كان على من دون النبي صلى الله عليه وسلم وقال إبراهيم أقول قال عبد الله وقال علقمة أحب إلي وكان ابن مسعود إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تربد وجهه وقال هكذا أو نحوه
وقال عمر حين بعث رهطا من الأمصار إلى الكوفة إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوما لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم فيقولون قدم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قدم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال ابن عون كان الشعبي إذا جاءه شيء أتقى وكان إبراهيم يقول ويقول أخرج هذه الآثار الدارمي
فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر وذلك أنه لم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقوال علماء