وأخرج الترمذي عن أبي السائب قال كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في الرأي أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أبو حنيفة هو مثلة قال الرجل فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال الإشعار مثلة قال رأيت وكيعا غضب غضبا شديدا وقال أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال إبراهيم ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا
وعن عبد الله بن عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يقولون ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبالجملة فلما مهدوا الفقه على هذه القواعد فلم تكن
مسأله من المسائل التي تكلم فيها من قبلهم والتي وقعت في زمانهم إلا وجدوا فيها حديثا مرفوعا متصلا أو مرسلا أو موقوفا صحيحا أو حسنا أو صالحا للاعتبار أو وجدوا أثرا من آثار الشيخين أو سائر الخلفاء وقضاة الأمصار وفقهاء البلدان أو استنباطا من عموم أو إيماء أو اقتضاء فيسر الله لهم العمل بالسنة على هذا الوجه وكان أعظمهم شأنا وأوسعهم رواية وأعرفهم للحديث مرتبة وأعمقهم فقها أحمد بن حنبل ثم إسحاق بن راهويه وكان ترتيب الفقه على هذا الوجه يتوقف على جمع شيء كثير من الأحاديث والآثار حتى سئل أحمد يكفي الرجل مائة ألف حديث حتى يفتي قال لا حتى قيل خمسمائة ألف حديث قال أرجو كذا في غاية المنتهى ومراده الإفتاء على هذا الأصل
ثم أنشأ الله تعالى قرنا آخر فرأوا أصحابهم قد كفوهم مؤونة جمع الأحاديث وتمهيد الفقه على أصلهم فتفرغوا لفنون أخرى كتمييز الحديث الصحيح المجمع عليه من كبراء أهل الحديث كيزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وأحمد وإسحاق وأضرابهم وكجمع أحاديث الفقه التي بنى عليها فقهاء الأمصار وعلماء البلدان مذاهبهم وكالحكم على كل حديث بما يستحقه وكالشاذة والفاذة من الأحاديث التي لم يرووها أو طرقها التي لم يخرج من