وإذا تأملت المقالات التي شجرت بين أهل ملتنا في الاعتقادات رأيت أكثرها على هذا الصفة وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله دين الله بين الغالي والمقصر فهذا تصريح منه بهذا الذي ذكرنا وتحذير منه وقال أيضا خير الأمور أوساطها وقال رجل
للحسن البصري رحمه الله علمني دينا وسوطا لا ساقطا سقوطا ولا ذاهبا فروطا فقال أحسنت خير الأمور أوساطها
وهذا نوع يطول فيه الكلام ان ذهبنا إلى تتبعه ولكنا نذكر منه شيئا يستدل به على غيره
فمن ذلك أن قوما لما خطر ببالهم أمر القدر والقضاء وأحبوا الوقوف على حقيقة ما ينبغي أن يعتقد من ذلك تأملوا القرآن العزيز والحديث المأثور فوجدوا فيهما أشياء ظاهرها الإجبار 18ب والإكراه كقوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين وقوله ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وقوله بل طبع الله عليها بكفرهم في آيات كثيرة غير هذه ووجدوا في الحديث المأثور أيضا نحو ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم السعيد من سعد في بكن أمه والشقي من شقي في بطن أمه
فبنوا من هذا النوع من الآيات والأحاديث مقالة أصلوها على أن العبد مجبر ليس له شيء من الاستطاعة وصرحوا بأن من اعتقد غير هذا فقد كفر
وخطر ببال آخرين مثل ذلك ورأوا مذهب هؤلاء فلم يرتضوه معتقدا لأنفسهم فتصفحوا القرآن والحديث فوجدوا فيهما آيات أخر وأحاديث ظاهرها يوهم أن العبد مستطيع مفوض إليه أمره يفعل ما يشاء كقوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر وقوله وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وقوله انا هديناه السبيل اما شاكرا وأما كفورا وقوله عليه السلام كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وقوله يقول الله تعالى