{وَجَعَلَ الظلمات والنور} عطف على {خُلِقَ السماوات} داخل معه في حكم الإشعار بعلة الحمد وإن كان مترتباً عليه لأن جعلهما مسبوق بخلق منشئهما ومحلهما كما قيل ، والجعل كما قال شيخ الإسلام الإنشاء والإبداع كالخلق خلا إن ذلك مختص بالإنشاء التكويني ، وفيه معنى التقدير والتسوية وهذا عام له كما في الآية وللتشريعي أيضاً كما في قوله سبحانه: {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ} [المائدة: 301] وأياً ما كان ففيه إنباء عن ملابسة مفعوله بشيء آخر بأن يكون فيه أو له أو منه أو نحو ذلك ملابسة مصححة لأن يتوسط بينهما شيء من الظروف لغواً كان أو مستقراً لكن لا على أن يكون عمدة في الكلام بل قيداً فيه ، وقيل:"الفرق بين الجعل والخلق أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمين"أي كونه محصلاً من آخر كأنه في ضمنه ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيهاً على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية.
واعترض بأن الثنوية يزعمون أن النور والظلمة جسمان قديمان سميعان بصيران أولهما خالق الخير والثاني خالق الشر فهما حينئذٍ ليسا بالمعنى الحقيقي المتعارف فمدعاهم الفاسد يبطل بمجرد هذا ، وأيضاً أن الرد يحصل لكونهما محدثين بقطع النظر عما اعتبر في مفهوم الجعل ولو أتى بالخلق بدله حصل المقصود منه ، وأيضاً أن الجعل المتعدي لواحد كما فيما نحن فيه لا يقتضي كونه غير قائم بنفسه ألا ترى إلى قوله سبحانه: {وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا} [النحل: 80] {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} [الفرقان: 53] إلى غير ذلك.
وأجيب بما لا يخلو عن نظر.
وجمع الظلمات وأفرد النور ليحسن التقابل مع قوله سبحانه: {خُلِقَ السماوات والأرض} أو لما قدمناه في البقرة.