وقال تبارك وتعالى: (( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ) )، فالكناية هنا عن موصوف أي (( لا تترك من يلقى فيها، أي لا تتركه غير مصلي بعذابها، وهذه كناية عن إعادة حياته بعد إهلاكه ) ).
وقال تعالى (( أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى* أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى*كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) )، والكناية في قوله (لنسفعن بالناصية) ، والمقصود بالسفع هو (( القبض الشديد بجذب، والناصية مقدم شعر الرأس، والأخذ من الناصية أخذ من لا يترك له تمكن من الانفلات، فهو كناية عن أخذه إلى العذاب، وفيه إذلال لأنهم كانوا لا يقبضون على شعر أحد إلا لضربه أو جره ) ).
ويمكن أن تعد من الكنايات البعيدة لوجود عدة وسائط في الانتقال من اللازم إلى الملزوم، فالقبض على مقدم شعر الرأس يستلزم وجود طرفين أحدهما قوي والآخر ضعيف، وينتقل من ذلك إلى كون الطرف الضعيف مقصرا، أو مذنبا في أمر معين مما يؤدي إلى ضربه، وسحبه إلا أن العقوبة هنا ليست ضربا أو سحبا مجردا بل كناية عن العذاب الذي أعده الله تعالى لهذا الكافر، يتضح من تحليل هذه الكناية أن بناءها بهذا التسلسل لم يكن الغرض منه سوى تهويل، وتفخيم هذا المشهد الذي يرسمه القرآن الكريم ليكون أوقع في القلب، ولعل الغاية من ذلك تتضح إذا علمنا أن الخطاب في هذه الآية المباركة عن أمية بن خلف، وهو أحد رؤوس الشرك المعروفين، وتسمى هذه الكناية تلويحا عند أهل البلاغة.
وجاءت الكناية عن موصوف هو الباري ـ عز وجل ـ كما في قوله تعالى: (( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) ).