لقد جعل أكثر البلاغيين المجاز العقلي من مباحث علم البيان (( وآثر غيرهم جعله من مباحث علم المعاني ) )، ومن هؤلاء الخطيب القزويني في الإيضاح.
وقد عده السكاكي من مباحث علم البيان، ولم يعده من مباحث علم المعاني، وبما أن هذا المجاز ـ أي المجاز العقلي ـ يقوم على التجوز في الإسناد، فقد كان لابد من أن تحدد العلاقة بي المسند والمسند إليه على أساس الملابسة بينهما، وقد حدد البلاغيون ملابسات شتى للفعل.
أما أكثر علاقات المجاز العقلي ورودا في الجواب القرآني، فهي العلاقة السببية، وهي ما بني للفاعل واسند إلى السبب، كما في قوله تبارك وتعالى: (( وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) ).
لقد جاءت الآية المباركة جزءا من كلام رد به نبي الله نوح (عليه السلام) على الملأ الذين كفروا من قومه، فهي إذن جواب لسؤال نشأ عن قول هؤلاء الكافرين، وهو رد على مجمل ما جادلوه به، أما المجاز العقلي فقد جاء في قوله (ولا أقول للذي تزدري أعينكم ... ) ، إذ أسند الازدراء للأعين (( وهو من أفعال النفس مجاز عقلي لأن الأعين سبب الازدراء غالبا، لأن الازدراء ينشأ من مشاهدة هذه الصفات الحقيرة عند الناظر ) ).
ومن العلاقة السببية ـ أيضا ـ جاء قوله تعالى: (( وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى* أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) ).