ليس من اليسير على الباحثين أن يحيطوا إحاطة تامة بما امتاز به جواب القرآن من مزايا تجعله ينأى تارة، ويقترب تارة أخرى من الجواب الذي يدور في مخاطبات بني البشر.
لقد تنوع ذلك الجواب من حيث الجهة التي صدر منها، فهناك جواب للباري عز وجل، وهنا جواب للملائكة، وهناك جواب للأنبياء، والرسل، وللمؤمنين، ولإبليس، وللمشركين، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط، إذ للسماوات جواب، وللأرض جواب، ولنار جهنم جواب، فأثرى هذا التنوع جواب القرآن الكريم، فضلا عن ما يتطلبه موقف الجواب من تعدد في أساليب الإجابة يحددها نوع الاستفهام، واحداث التأثير المطلوب في المخاطب، وما إلى ذلك، في نسيج يبدو متشعبا للوهلة الأولى، إلا أنه يمكن أن يختصر في كونه صراعا بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من جهة أخرى في نسيج لا يمكن أن يوصف إلا بأنه معجز.
ولا بد من الإشارة إلى ان الأجوبة جميعا قد صيغت بأعلى مستوى من الدقة والبلاغة، وقد أوردها القرآن الكريم بشكل مؤثر ولا فت للنظر، بحيث تجعل قارئ هذا الكتاب العظيم يقف مرات ومرات معها، وتنقله إلى آفاق رحبة من التعبير المعجز، والبيان الأخاذ الذي يسحر العقول والقلوب معا.
أما المحور الذي يدور عليه هذا الفصل فهو فنون البيان التي وظفها القرآن الكريم في أجوبته، ومحاولة الوقوف على أهم خصائص، ومميزات هذه الفنون في الجواب القرآني.
يعد علم البيان واحدا من علوم البلاغة؛ إذ يشكل هو وعلم المعاني، وعلم البديع العلوم الثلاثة التي استقرت عليها البلاغة العربية.
وعلم البيان كما عرفه الخطيب القزويني هو: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه.