اما قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ* لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ* لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ* عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) فابن الحاجب يقول عن أسلوب (ما أدراك) : (مجيء الاستفهام في هذا المجال لتعظيم ذكر القضية) إذن فالاستفهام هنا ليس حقيقياً وانما خرج لغرض بلاغي يناسب هول ذلك المشهد الذي يصور جهنم، أما الجواب فانه قد جاء مفتتحاً بـ (لا) النافية التي أفاد نفيها الحال والاستقبال لتتناسب مع هذا الجو الذي يرسمه القرآن الكريم. ولا تقف السورة عند هذا الحد في عرض هذا المشهد وانما تكمله باستفهام آخر وبجوابه في قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) .
الاستفهام هنا للتوبيخ والتحسير، وقد ذكر هؤلاء المجرمون أربعة أسباب أَدَّتْ بهم إلى نار جهنم (وفي الأفعال المضارعة في قوله(لم نك، ونخوض، ونكذب) إيذان بان ذلك ديدنهم ومتجدد منهم طول حياتهم).
ومن الواضح أن الإطناب يسير جنباً إلى جنب عند الإجابة عن (ما) الاستفهامية، كما هو الحال في الآيات التي سبقت هاتين الآيتين فالجواب يأتي على نحوٍ مفصل وليس موجزاً ولعل الإطناب والتفصيل أَلْيَقُ ما يكونُ في مقام الحسرة والندم على ما فات هؤلاء المجرمين من نعيم الجنة بسبب ما ارتكبت أيديهم.
ومن أساليب الإجابة عن (ما) الإجابة بالاسم كما في قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .