وهذا الكلام ليس دقيقاً لأنه يعمم ذلك على جميع الاستفهام في القرآن، إذ لم يصدر جميعه عن الله تبارك وتعالى، بل صدر عن طوائف مختلفة من البشر منهم الأنبياء ومنهم المؤمنون ومنهم الكفار ومنهم اليهود وغيرهم، وهذا الاستفهام الصادر عن هؤلاء منه كان حقيقيا ومنه ما كان يخرج إلى معانٍ أخرى .. ولم يخرج الاستفهام في القرآن مخرج التوبيخ والتقرير فقط بل خرج إلى معان بلاغية مختلفة.
يقول السبكي: (والاستفهام طلب الفهم إذا كان السائل جاهلاً، وقد يكون عالماً وغرضه طلب فهم لآخر غير فاهم) .
ولما كان القرآن الكريم قد ذكر العديد من القصص والحوادث، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يذكر بعضاً من أساليب الاستفهام المستخدمة على السنة من جرت بينهم تلك القصص والحوادث.
إن شدة الارتباط بين السؤال والجواب تفرض علينا الاهتمام بالسؤال كثيرا لأنه المقدمة والأساس الذي يعتمد عليه الجواب، ولذلك لجأنا إلى تقسيم هذا الفصل حسب أدوات الاستفهام، وقد بدأناه بالهمزة.
المبحث الأول
جواب الهمزة
لكل أسلوب من أساليب العربية أدواته التي تميزه من غيره، والاستفهام شأنه في ذلك شأن الأساليب الأخرى، له أدواته المعروفة، وتقع الهمزة في صدارة الأدوات المستخدمة فيه.
لقد أشار سيبويه إلى أهمية الهمزة قائلا: (( إنها حرف الاستفهام الذي لا يزولُ عنه إلى غيره، وليس للاستفهام في الأصل غيره، وانما تركوا الألف في(مَنْ) و (متى) و (هل) ونحوهن، حيث أمنوا الالتباس ))