وقد قسم الاستئناف على ثلاثة اضرب: لان السؤال الذي تضمنته الجملة الأولى اما عن سبب الحكم فيها مطلقاً كقوله:
قال لي: كيف أنت؟ قلت عليلٌ ... سهرٌ دائم وحزن طويلُ
أي: ما بالك عليل؟ وما سبب علتك؟ واما عن سبب خاص له كقوله تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ... ) وهذا الضرب يقتضي تأكيد الحكم. وأما عن غيرهما، كقوله تعالى: ( ... قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ ... ) كأنه قيل فماذا قال إبراهيم عليه السلام؟ فقيل: قال: سلام. وهكذا يقدر السؤال تقديراً في ثنايا الكلام ولا يظهر أبداً، وهنا تكمن الدقة في هذا الموضع لان تقدير السؤال يعتمد على فهم المعنى بشكل عميق، وخاصة في كلام رب العزة جل وعلا.
3 ـ في الإيجاز: وذلك في موضع الحذف منه، إذ الحذف نوعان، هما
حذف جزء من الجملة وهو حذف المفردات، وحذف الجمل. وينقسم حذف الجمل على: حذف الجمل المفيدة، وحذف الجمل غير المفيدة، ثم ينقسم حذف الجمل على أربعة اضرب، وما يهمنا هنا هو الضرب الأول منه وهو: حذف السؤال المقدر
ويسمى (الاستئناف) .
ويقول ابن الأثير (ت 637 هـ) عنه: (ذلك ضرب من التأليف لطيف الأمر، عجيب المغزى، ولا تجد باباً من أبواب الحذوف احسن مأخذاً، ولا أطرف خبراً ) ) .
والواقع أن هذا الموضع لا يختلف عن الموضع السابق، فهذا استئناف، وذاك استئناف أيضا إلا انهما قد وردا في موضعين مختلفين عند البلاغيين، وان كانا يتفقان في المضمون.
وقد يرد السؤال المقدر في ثنايا موضوعات أخرى لم يفرد لها البلاغيون مواضع خاصة. ولكنها تتصل بالسؤال المقدر اتصالاً وثيقاً، ومنها كلامهم عن (إِنَّ) حينما يذكرون تلك الرواية المعروفة التي وقعت بين الكندي المتفلسف والمبرد ولا شك في ان البلاغيين قد أفادوا منها كثيراً في هذا الموضوع لأنها قررت حكماً اخذوا به، وجعلوه من قواعدهم: (روى ابن الأنباري، أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد،