أما البلاغيون فان كلامهم يكاد يتطابق مع كلام النحويين فتقسيم أدوات الاستفهام من حيث التصور والتصديق نفسه، يقول السكاكي (ت 626 هـ) : (( إن طلب التصور مرجعه إلى تفصيل المجمل، أو إلى تفصُل المفصل وإذا تأملت التصديق وجدته راجعاً إلى تفصيل المجمل أيضا، وهو طلب تعين الثبوت، أو
الانتفاء في مقام التردد، والهمزة من النوع الأخير، تقول في طلب التصديق بها: احصل الانطلاق؟، و (أزيدٌ منطلق؟) . وفي طلب التصور بها في طرف المسند اليه: (أدبس في الإناء أم عسل؟ وفي طرف المسند:(أفي الخابية دبسك أم في الزق؟) ، فأنت في الأول تطلب تفصيل المسند إليه وهو المظروف، وفي الثاني تفصيل المسند، وهو الظرف، و (هل) من النوع الثاني لا تطلب به إلاّ التصديق كقولك: (هل حصل الانطلاق) . و (هل زيد منطلق؟) ان العلاقة التي تربط بين التصور والتصديق، والجواب تكمن في أن كيفية الجواب تتحدد على أساس الفرق بين هذين الاستفهامين، ولذلك فان إدراك الفرق بينهما يعدُّ أساساً تعتمد عليه صحة الجواب، وقد حاول البلاغيون وضع الحدود التي تبرز الفرق بين كل من التصديق والتصور، فالتصديق (يكون عن نسبة تردد الذهن بين ثبوتها أو انتفائها، والاستفهام عن التصور يكون عند التردد في تعيين أحد شيئين، فبالاستفهام يعلم انه أحاط العلم بأحدهما لا بعينه، مسندين أم مسنداً إليهما، أم من متعلقات الإسناد)
ومن الفروق الأخرى بينهما ان الاستفهام عن التصديق (حقه أن يؤتى بعده بـ(أم) المنقطعة دون المتصلة، والاستفهام عن التصور، ما صلح أن يؤتى بعده بـ (ام) المتصلة دون المنقطعة).
ويظهر أن النحاة وان كانوا يدركون الفرق بين التصديق والتصور، إلا ان هذين المصطلحين لم يظهرا في كتب النحو إلاَّ بَعْد مُدَّة إذ (اعتمد النحاة المتأخرون هذا التقسيم لأدوات الاستفهام ومنهم ابن هشام) .