والمراد بروح القدس: جبريل - عليه السلام - فإن من وظيفته أن يؤيد الله به رسله بالتعليم الإلهى، وبالتثبيت في المواطن التي من شأن البشر أن يضعفوا فيها.
وقيل: المراد بِرُوحِ الْقُدُسِ روح عيسى حيث أيده - سبحانه - بطبيعة روحانية مطهرة في وقت سادت فيه المادية وسيطرت.
أي: أيدتك بروح الطهارة والنزاهة والكمال، فكنت متسما بهذه الروح الطاهرة من كل سوء.
والمهد: سن الطفولة والصبا - والكهولة: السن التي يكون في أعقاب سن الشباب.
والمعنى: اذكر يا عيسى نعمى عليك وعلى والدتك، وقت أن قويتك بروح القدس الذي تقوم به حجتك، ووقت أن جعلتك تكلم الناس في طفولتك بكلام حكيم لا يختلف عن كلامك معهم في حال كهولتك واكتمال رجولتك.
وقوله: إِذْ أَيَّدْتُكَ ظرف لنعمتي. أي: اذكر إنعامى عليكما وقت تأييدى لك. وذكر - سبحانه - كلامه في حال الكهولة - مع أن الكلام في هذه الحالة معهود في الناس - للإيذان بأن كلامه في هاتين الحالتين - المهد والكهولة - كان على نسق واحد بديع صادر عن كمال العقل والتدبير، دون أن يكون هناك فرق بين حالة الضعف وحالة القوة. قال الرازي: وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له، وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده.
وقال ابن كثير: قوله اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلى إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي وَعَلى والِدَتِكَ حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة وإِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ وهو جبريل،
وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك. فأنطقتك في المهد صغيرا: فشهدت ببراءة أمك من كل عيب. واعترفت لي بالعبودية. وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي ولهذا قال: تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمّن تُكَلِّمُ معنى تدعو، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب».
وقوله: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم بها - سبحانه - على عيسى.