فقد قال هنا اجتنبوا الرجس الذي يجمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام . والحق سبحانه وتعالى واجه العادات التي شاعت قبل الإسلام ليخلع الفاسد منها ولم يجابهها دفعة واحدة وذلك لتعليق النفس بها والإلف لها ، وإنما كان التحريم لها بالتدريج . لقد حزم الإسلام الأمر أولاً في مسائل العقائد ، أما الأمور التي تترتب على إلف العادة فكان تحريمها على مراحل .
وحين يقول الحق سبحانه وتعالى عن شيء إنه:"رجس"، فذلك حكم الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ونحن نقبل هذا الحكم حتى ولو لم نفهم نحن معنى الرجس ، أو لم نتأكد مادياً من أن الشيء المحرم هو من الرجس ، ذلك أنه يكفي في ذلك حكم الله الذي يرضخ له العبد المؤمن الذي قبل التكليف من ربه ؛ لأن ربه مُؤتمن على كل مصالحه . وما دام الحق قد قال عن شيء إنه رجس ، فهو رجس ولا جدال في ذلك .
أقول ذلك لأن بعضاً يظل متصيداً لأي ثغرة مفتعلة متسائلا: كيف يكون ذلك العمل أو ذلك الشيء من الرجس؟ ونقول: إننا نرضخ لحكم الله تعالى وننفذ ما أمر به ، فهو إله مأمون على كل الخلق ، وتثبت لنا الأيام دائماً صدق قول الحق في أن الأشياء التي قال عنها سبحانه إنها رجس ، هي من الرجس فعلاً ، فحين يقول سبحانه لخلقه: افعلوا كذا ، لا نسأله: وما علة ذلك التكليف ، ولكننا ننفذ أمر الحق ، ونكتشف في أعماقنا فائدة ذلك التكليف .