إن النفس العاقلة لا تقبل على مثل هذه الأعمال ، بل لا بد أن يحرك أحد تلك الأطماع ، ذلك أن المخالفات إنما تنشأ من أمرين ؛ إما أن تكون من النفس ، وإما أن تكون من الشيطان . والمخالفة التي تكون من النفس هي التي تحقق شهوة من نوع خاص بحيث إذا زحزحت النفس عنها فهي تريدها . والمخالفة التي من نزغ الشيطان تختلف ، فقد يوعز الشيطان لإنسان بالسرقة ، فيرفض ، فيعرف الشيطان أن لهذا الإنسان مناعة ضد هذه المعصية ، فيوعز بمعصية أخرى ، فإذا وجد مناعة انتقل إلى معصية ثالثة ؛ لأن وسوسة الشيطان تطلب الإنسان عاصياً على أي لون من الألوان .
فإذا وقفت عند معصية بذاتها فاعلم أن ذلك من عمل نفسك ، وإن انتقلت بالوسوسة من معصية عزت على الشيطان إلى معصية أخرى فاعلم أنها من عمل الشيطان ولا دخل للنفس بها . والعاقل الذي يتمعن في كل تلك المسائل المحرمة يرى أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام هي أمور لا تستطيبها النفس غير المنزوعة من الشيطان ، فكأن قوله الحق: {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان} يدلنا على أن العاقل لا يمكن أن يصنع هذه الأشياء .
ويذيل الحق الآية: {فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . ويأمرنا سبحانه باجتناب الرجس الذي جمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، والاجتناب هو أن يعطي الإنسان الشيء المجْتَنَب جانَبَه ، أي المنع للذرائع والأسباب والسد لها ؛ لأنك إن لم تجتنبها فمن الجائز أن قربك منها يغريك بارتكابها . وبعض الناس يظنون أن الخمر لم يأت لها تحريم وإنما جاء الأمر فيها بالاجتناب .
ونقول لهم: إن التحريم هو النص بعدم احتسائها ، وأما الاجتناب فهو أقوى من التحريم لأنه أمر بعدم الوجود في مكانها . فإذا كان الحق قد قال في قمة العقائد: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] .