ومثال لذلك نراه في الريف ، عندما يحاول راكب الحمار أن يجبر الحمار على القفز على قناة صغيرة فيها مياه يرفض الحمار ذلك تماماً ومهما ضربه راكبه فهو يرفض القفز ؛ لأن غريزته تمنعه من ذلك . أما الإنسان فقد ينتابه الغرور ويظن أنه قادر على القفز فوق القناة فيقفز لكنه قد يقع في المياه . وتوجد المجازفة عند الإنسان ، لكنها لا توجد عند الحيوان بمقتضى الغريزة .
ومثال آخر من عالم الحيوان . نجد ذكر الجاموس يقترب من الأنثى ليشمها فإن وجدها حاملاً لا يقربها ، هكذا الحيوان . أما الإنسان فلا . والحمار يتناول طعامه من البرسيم مثلا ما يشبعه ولا يزيد أبداً في الطعام مهما ضربه صاحبه ؛ لأنه محكوم بالغريزة ، أما الإنسان فقد يأكل فوق طاقته .
وهكذا نجد الغريزة هي التي تعصم الحيوان ، والعقل هو الذي يعصم الإنسان . ولذلك لا يملك الحيوان القدرة على الاختيار ، ولكن ميزان غرائزه لا يختل أبداً . أما ميزان الغرائز عند الإنسان فقد يختل .
لقد ميز الله الإنسان عن الحيوان بالاختيار بين البدائل بالعقل ، ولذلك لا يصح ولا يستقيم من الإنسان أن يطمس هذه القدرة بالخمر . فإن طمس قدرة الاختيار ، فإن غرائزه في هذه الحالة لا تنفعه لأنها غير مؤهلة لحمايته ، ولذلك نجد الذي يطمس عقله يضع نفسه في مرتبة أقل من الحيوان ؛ لأن الحيوان تحميه الغريزة ، والإنسان يحفظه عقله ، وهو في هذه الحالة قد طمسه وغطاه ، وقد حرم الله الخمر لأنها تستر العقل . وكل ما يستر العقل خمر ولو كان أصله حلالاً ؛ وذلك لأن العقل هو مناط التكليف . وكذلك حرم الله الميسر .