إنّ الحق سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض وسخر له كل شيء في الوجود وطلب منه أن يعبده وحده وأن يعمر هذه الأرض . وأراد الحق أن يضمن للإنسان سلامة أشياء متعددة ؛ سلامة نفسه فلا يُعتدي عليها بالقتل أو غير ذلك ، وسلامة عقله فلا يُجنى عليه بما يستر آلية الاختيار بين البدائل ، وسلامة عرضه فلا يَلغ فيه أحد وحتى تأتي الأنسال التي تعمر الكون وهي أنسال طاهرة ، وسلامة ماله حتى يحفظ على الإنسان أثر حركته في الحياة وحتى لا يأخذ غيره أثر حركته ، وذلك حتى لا يزهد العامل في العمل ولا يعود الطاقات أن تأخذ من غير عملها فتكسل وتتواكل ، فالإنسان إذا ما اعتاد أن يأخذ من غير عمل صار العمل صعباً عليه ، وهكذا كانت صيانة المال لا تبدد طاقة ولا تهدر حقا ، ولا تعطي غير ذي حق حقا لغيره ، وهكذا حتى لا يشيع العجز الاصطناعي في الكون .
ولذلك قال الحق وهو مانح كل مال: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245] .
أي أنه - وهو المانح سبحانه وتعالى - قد احترم حركة الإنسان فلا يستمرئ أحد البطالة . وعندما تنتشر البطالة في الإسلام يعالج الأمر بحكمة بالغة ؛ فهو يطلب من الوالي أن يسبب لهم الأسباب ليعملوا . وذلك حتى لا يتعودوا على الأخذ بغير عمل لئلا تكون مصيبة على المجتمع . وأراد سبحانه بالشريعة السمحاء أن يحمي الإنسان من كل ما يبدده ، فحينما حرم الخمر ، أي منع عن الإنسان ستر العقل ، ذلك أن ميزة الإنسان على الحيوان هي العقل .
إن الإنسان يختلف عن الحيوان بأنه يحفظ حياته بالعقل ، أما الحيوان فيحفظ حياته بالغريزة . ولذلك فالحيوان لا يملك إلا رداً واحداً إذا ما تم الاعتداء عليه ؛ الكلب يعض المعتدي والقطة تخمش المعتدي ، أما الإنسان فعندما يعتدي عليه أحد فهو يختار بين بدائل للرد على العدوان ، إما أن يضرب وإما يقتل وإما أن يسامح .