وَأَمَّا تَرْكُ الطَّيِّبَاتِ الْبَتَّةَ كَمَا تُتْرَكُ الْمُحَرَّمَاتُ وَلَوْ بِغَيْرِ نَذْرٍ وَلَا يَمِينٍ تَنَسُّكًا وَتَعَبُّدًا لِلَّهِ تَعَالَى بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ وَحِرْمَانِهَا ، فَهُوَ مَحَلُّ شُبْهَةٍ فُتِنَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُبَّادِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ ، فَكَانَ مِنْ بِدَعِهِمُ التَّرْكِيَّةِ ، الَّتِي تُضَاهِي بِدَعَهُمُ الْعَمَلِيَّةَ ، وَقَدِ اتَّبَعُوا فِيهَا سُنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ; كَعِبَادَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرُهْبَانِ النَّصَارَى ، وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوهَا عَنْ بَعْضِ الْوَثَنِيِّينَ; كَالْبَرَاهِمَةِ الَّذِينَ يُحَرِّمُونَ جَمِيعَ اللُّحُومِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ النَّفْسَ لَا تَزْكُو وَلَا تَكْمُلُ إِلَّا بِحِرْمَانِ الْجَسَدِ مِنَ اللَّذَّاتِ ، وَقَهْرِ الْإِرَادَةِ بِمَشَاقِّ الرِّيَاضَاتِ ، وَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الزِّينَةَ كَمَا يُحَرِّمُونَ النِّعْمَةَ ، فَيَعِيشُونَ عُرَاةَ الْأَجْسَامِ وَلَا يَسْتَعْلِمُونَ الْأَوَانِيَ لِأَطْعِمَتِهِمْ;
بَلْ يَسْتَغْنُونَ عَنْهَا بِوَرَقِ الشَّجَرِ ، وَقَدْ أَرْجَعَهُمُ انْتِشَارُ الْإِسْلَامِ فِي الْهِنْدِ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ ، وَلَا يَزَالُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْهُمْ يَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَالشَّوَارِعِ عُرَاةً لَيْسَ عَلَى أَبْدَانِهِمْ إِلَّا مَا يَسْتُرُ السَّوْءَتَيْنِ فَقَطْ ، وَيُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِكَلِمَةِ"السَّبِيلَيْنِ"الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الْفُقَهَاءُ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهَا كَمَا يَظْهَرُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُجْبِرُونَهُمْ عَلَى سَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشُدُّ فِي وَسَطِهِ إِزَارًا