فلبث ما شاء الله ، يخرج في كل يوم أحد ويخرجون معه ، ويوصيهم بما كان يوصيهم به ، فخرج في أحد ، فلما اجتمعوا حمد الله ووعظهم وقال مثل ما كان يقول لهم ، ثم قال لهم آخر ذلك: يا هؤلاء ، إني قد كبرت سني ، ورق عظمي ، واقترب أجلي ، وأنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا ، ولا بد لي من إتيانه ، فاستوصوا بهذا الغلام خيراً ، وإني رأيته لا بأس به ، قال: فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم ، وقالوا: يا أبا فلان ، أنت كبير وأنت وحدك ، ولا نأمن أن يصيبك الشيء ولسنا أحوج ما كنا إليك. قال: لا تراجعوني لا بد لي من إتيانه ولكن استوصوا بهذا الغلام خيراً وافعلوا وافعلوا. قال: قلت: ما أنا بمفارقك. قال: يا سلمان ، قد رأيت حالي وما كنت عليه وليس هذا لك ، إنما أمشي أصوم النهار وأقوم الليل ، ولا أستطيع أن أحمل معي زاداً ولا غيره ولا تقدر على هذا. قال: قلت: ما أنا بمفارقك. قال: أنت أعلم قالوا: يا أبا فلان ، إنا نخاف عليك وعلى هذا الغلام. قال: هو أعلم قد أعلمته الحالة ، وقد رأى ما كان قبل هذا. قلت: لا أفارقك. فبكوا وودعوه وقال لهم: اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتكم به ، فإن أعش فلعلي أرجع إليكم ، وإن أمت فإن الله حي لا يموت ، فسلم عليهم وخرج وخرجت معه ، وقال لي: احمل معك من هذا الخبز شيئاً تأكله.