إذن فالأمة التي تتبع منهج الإسلام - وهو منهج الاعتدال - هي الأمة المهتدية التي تسير إلى العمل الصالح الصحيح وتعمل به وتطبقه ؛ لأنه المنهج الذي ينسخ ما قبله ويصححه ، والرسول صلى الله عليه وسلم هو المهيمن على كل من سبقه من الرسل ، وحياته وما جاء فيها من سلوك هو سنة إيمانية تهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم . وجاءت في هذه الآية مسألة تحويل القبلة لتعلم المسلمين أن الأمر الأول بالاتجاه إلى بيت المقدس كان اختباراً ينجح فيه من يذعن لصاحب كل أمر وهو الله ، وكان ذلك من الأمور الشاقة إلا على من وفقه الله إلى الهداية ، ثم جاء من بعد ذلك الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة وهي أول بيت وضعه الله للناس .
إذن فمادمنا شهداء ، وما دام الرسول شهيداً علينا ، فالرسول إنما يشهد أننا بلغنا وننال منزلتين: منزلة تلقى البلاغ عن الرسول ، ومنزلة الإبلاغ من بعد ذلك إلى غيرنا من الناس . والمؤمن لا يكون شهيداً إلا إذا كانت شهادته امتداداً لشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم . هذه الشهادة التي جاء بها الحق في وصف أمة المؤمنين: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون} [آل عمران: 110] .
فأنتم يا أمة محمد أفضل أمة أخرجها الله للناس بشرط أن تتبعوا المنهج ب"افعل"و"لا تفعل". تأمرون بالطاعات وتنهون عن كل ما نهى عنه الدين ، وبذلك تكونون قد طبقتم المنهج الدال على صدق إيمانكم بالله إيماناً صحيحاً صادقاً . ولو صدق أهل الكتاب مثلكم في إيمانكم ، لكان خيراً لهم مما هم عليه .
لكنّ بعضاً منهم يدير أمر الإيمان في قلبه ، والكثير منهم يخرج ويفسق عن مقتضى الإيمان .