لكن عندما يعم الفساد الكونَ . فالسماء ترسل الرسول بمنهج يصلح حال البشرية . وبطبيعة الحال لن يترك المجتمعُ الشريرُ الرسولَ لحاله بل يقاومه ؛ لأن مثل هذا المجتمع يريد أن تكون كفة الكون غير متوازنة ؛ لأن هناك منتفعين بالفساد والشر ، وهم المدافعون عن الفساد ، فإن جاء من ينصف الضعفاء والمظلومين فلا بد أن يتعرض للمتاعب التي تأتيه من قبل الأقوياء المفسدين .
إن هذه المتاعب تبدأ أول ما تبدأ في النفس ؛ ولأن الرسول مخاطب من الله فيمكنه أن يتحملها لأن الحق قد أعده لهذه المهمة ، ومثل تلك المتاعب تأتي أيضاً للأتباع ، لذلك يمدهم الله بالمدد الذي يجعلهم يتحملونها . والحق يحفظ للرسول ذاته على الرغم من كل ما يحدث: {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} .
فكأن الحق يقول لرسوله: اطمئن يا محمد ؛ لأن من أرسلك هداية للناس لن يخلي بينك وبين الناس . ولن يجرؤ أحد أن ينهي حياتك . ولكني سأمكنك من الحياة إلى أن تكمل رسالتك . وإياك أن يدخل في رُوعك أن الناس يقدرون عليك ، صحيح أنك قد تتألم ، وقد تعاني من أعراض التعب في أثناء الدعوة ، ولكن هناك حماية إلهية لك . ونحن نعلم قدر المتاعب التي تعرض لها الرسول صلى الله عليه وسلم . ألم تكسر رباعيته صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد؟ ألم يشج وجهه؟ ألم تدم أصبعه فيقول:
"إن أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت".
لكن قول الحق سبحانه لرسوله: {والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس} لم يكن المقصود هو منع الجهاد في سبيل الله والمعاناة في سبيل نشر الدعوة . ولكن الحق يبين لرسوله: إن أحداً غير قادر على أن يأخذ حياتك .
ولم يمنع سبحانه المتاعب عن رسوله الكريم حتى لا يكون هناك أحد الداعين إلى الله لا يتحمل من الآلام أكثر مما تحمل رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولننظر ونستمع جيداً إلى"ما ترويه عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - حول هذه الآية إنها قالت:"